An-Najah National University

Yahya Abdul-Raouf Othman Jaber

موضوعات النصوص المدرجة شتى،لم أدرج نصوصا لقدمها ولا احتفظ منها بنسخة إلكترونية، ولمن يخالفني الرأي أن يحاورني قبل أن يحكم علي، فلعلي غيرت

 
  • Bookmark and Share Email
     
  • Friday, August 28, 2009
  • التعليم المستمر ... وجهة نظر جديدة
  • Published at:مجلة التعريب، العدد السادس عشر.دمشق، كانون الأول / ديسمبر 1998
  •              يتداخل أهل الأرض اليوم ويتواصلون على نحو لم يشهده الإنسان من قبل، فقد تقارب الزمان، وطويت الأرض، وصرنا نعيش في ما يسميه ماك لوهان بالقرية العالمية (1)، وهذا يعني مزيدا من التفاعل الثقافي وتسارعا في التغير، لا سيما إذا أخذنا بالحسبان ثورة المعرفة، وتفجرها على نحو لا يخضع لضوابط، بل على العكس من ذلك، فإن التنافس في الإبداع والاختراع في مجالي العلم والتقنية، قد فاقا كل حد يمكن رصده وشبّا عن الطوق، مما جعل الإنسان ـ وهو الفاعل ـ خاضعا لما يستحدثه من التقنيات، وللنتائج التي يسفر عنها توظيفها في دورة الحياة، هذه الدورة التي غدت ضربا من المتواليات الهندسية التي تجاوزت مضاعفاتها حدّ التصور البشري، نظرا للسرعة الفائقة في توالي الإحداثيات.

    ولو كان التحكم في عجلة التطور وتوجيهها أمرا ممكنا، لأمكننا ـ في المقابل ـ أن نضع خطة تربوية تتناغم وسمفونية التطور، ولكن الأمر ليس كذلك، وهذا يعني أن العالم ينزلق على غير هدى، مما يجعل المسؤولية الملقاة على عاتق التربويين ضخمة، نظرا لظاهرة (الانفلات من الجاذبية) التي يعيشها النظام التربوي بما له من حساسية مفرطة إزاء التغيرات المعلوماتية ووسائل الاتصال والتثقيف والتقنيات والترويج المتجددة يوما يوما.

    وفي مثل هذه الحالة، تكون الحكمة في التصدي لهذا الواقع بشجاعة وإيمان، وبفعل ما هو ممكن، ذلك أن الله لا يكلف نفسا ـ ولا مجتمعا ـ إلا وسعها، وعلينا أن نلتمس السبل الناجعة للتعامل مع هذا الواقع بما يكفل نتائج إيجابية، أول على الأقل يقي المجتمع بعض الأخطار الناجمة عن أي عارض.

    ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بالعلم، فهو سبيل من أراد الدنيا ... وسبيل من أراد الآخرة، وهو سبيل من أرادهما معا. ولما كان العالم معنى مطلقا، لا حدّ له، ولا نحيط بشيء من العلم  إلا بما شاء الله عز وجل. ولما كان طلب العلم فريضة ومن المهد إلى اللحد؛ فإن المؤسسات التعليمية المعروفة  لم تعد تلبي طموحات طالبي العلم بحقيقته السابقة، كما أنها لا تفي بمتطلبات التنمية الشاملة.

    وفي هذا العصر، فتحت أبواب للعلم والمعرفة كانت من قبل مرتجة، ومن دونها غيب وحجاب، وغدت المعارف والعلوم مبثوثة في كل أوب تأتيك من كل حدب دون عناء، وفي هذا ما ينسجم مع ما ورد بالفقرة السابقة من طبيعة العلم وصفة التعلم، ويضعنا أمام فرصة عريضة يجب أن نستغلها في تنوير مجتمعاتنا، تلك هي التقنية الحديثة ... " إن إدخال تقنيات الاتصال الحديثة واستخدامها في التعليم، ينبغي أن يكون جزءا من تغير كلي وتجديد شامل في العملية التربوية وفي البنية التعليمية، ولا يمكن تحقيق أهدافها إذا ظلت البيئة التقليدية على حالها، ولذا، ينبغي أن نعيد النظر في بنية التربية وإطارها ووسائلها إعادة كلية، وأن تكون لنا نظرة شاملة جديدة إلى نظام التربية بكامله، لكي نقترح تشكيلات وصيغا تربوية جديدة قائمة على أسس علمية تجد تقنيات الاتصال الحديثة مكانها فيها" (2) إننا إن نحن فعلنا، لقادرون على تخطي الأزمة، واجتياز حاجز التخلف، وكل ما هو مطلوب مزيد من الثقة بالنفس والإيمان ، ونفحة من شجاعة وإقدام، ومسامير من عزم وتصميم، وأخذ بالأسباب ... وكل ذلك متاح ميسور.

    وباختصار "فإن ثمة إمكانات جديدة آخذة في الظهور، وقد وضح تأثيرها القوي على إمكانات تأمين حاجات التعليم الأساسية، ومن الواضح أن ما تقدمه هذه الإمكانات الجديدة للتربية لم يكد يستغل، وتوجد هذه الإمكانات الجديدة  بصورة واسعة، نتيجة لقوتين متقاربتين، كلتاهما من النتائج الجانبية الحديثة الظهور لعملية التنمية الشاملة، وتتمثل أولاهما في كمية المعلومات المتاحة في العالم، وكثير منها متعلق ببقاء الإنسان وبحاجاته الحياتية الأساسية، وهي معلومات يفوق حجمها بأضعاف مضاعفة المعلومات التي كانت متوافرة منذ بضع سنوات فقط، كما أن معدل نموها آخذ في التسارع، ويحدث تأثير تداؤبي حين تقترن المعلومات المهمة بتقدم عصري ثانٍ، ألا وهو القدرة الجديدة على الاتصال بين سكان العالم جميعا، وأن الفرصة قائمة لتطويع هذه القوة لاستخدامها استخداما إيجابيا واعيا، وبطريقة منهجية لتسهم في تأمين حاجات التعليم المحددة" (3).

    إن المعارف البشرية التي تزداد يوما بعد يوم، على نحو مطرد، يفوق طاقة العقل البشري، ما أشبهها في تكاثرها بالبكتيريا والانشطار الثنائي؛ "فمنذ زمن غير بعيد أبدا، كان هناك تكهن بأن الأفلام والفيشات المصغرة، ستكون أساس المكتبات في المستقبل، لكن هذه الأساليب سرعان ما وجدت نفسها تتراجع في وقت قصير مثير للعجب، أمام تقنيات إلكترونية للتخزين وللاسترجاع" (4).

    وتنسجم هذه المعطيات مع ما يعرف اليوم بالتعليم المستمر، أو التكوين المستمر، أو مدى الحياة، الذي يعتبر التعليم التقليدي النظامي بمستوياته المختلفة، جزءا منه، مكملا له، لولا أن التغيرات الحياتية المتلاحقة تقلل من شأنه، ذلك بما هو مؤطر مقيد، بينما التعليم المستمر ـ وهو تعلم مستمر أيضا ـ كما سيأتي ـ أو هكذا ينبغي أن يكون ـ يمكن من التعامل المتكافئ مع الواقع ويتمتع بمرونة فعالة. يقول تشارلز تايلور في هذا الصدد: " إن النقطة الأولى التي أريد ذكرها بالنسبة لعالم الغد، هي انخفاض مدى الاستقرار إلى حد بعيد جدا، بحيث إن الناس قد يضطرون لتغيير اختصاصاتهم بضع مرات، لا لسبب، إلا لمعدل حدوث التطورات الجديدة،والواضح أن لذلك أثرا كبيرا على أسلوب إعادة التفكير بالتربية العلمية، ولذلك فإن "التربية من أجل التغيير عبارة أساسية " (5).

    ومن يستقرئ سجلات الطلبة في المرحلة الجامعية، يقف على هذه الحقيقة بوضوح تام، إذ كثيرا ما نجد طلابا غيروا تخصصاتهم مرة أو مرتين، وما ذلك إلا استجابة للتغيرات المتوالية والسريعة، التي تطرأ في مجالات العمل وفرصه، مما يضيف أعباء جديدة على كاهل التربويين والمخططين لتحقيق شيء من الاستقرار والأمن الوظيفي للفرد، مما يعود في النهاية بنتائج إيجابية على التنمية الشاملة للمجتمع.

     

    في الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ:

           ويبدو أن معايير التقدم في هذا العصر، غدت تقيس حركة المجتمع بالزمن الذي تستغرقه والرفاه الذي تحققه، وليس بالقيم التي تستند إليها، وهذه حقيقة تعكس انحراف المسيرة البشرية عن سَمْتِها، وتشير إلى خلل جسيم في الفكر الإنسانيّ، ولو كانت السيطرة على المركبة ما تزال ممكنة، وذلك لكثرة العوامل والأيدي التي تتدخل في تحريك العجلة وتوجيهها.

    ويقف مجتمعنا حائرا بين مقاييسه التي تعتمد القيم، وبين المعايير التقدم المعاصرة، التي تعتمد عصر الزمن والرفاهية ... إنه المفترق الرهيب ... ولكن لا مجال للتردد، ولا فسحة للتريث ... مما يضاعف الأعباء الفكرية والنفسية على من يعون هذا الواقع، ويجعلهم أمام مساءلة مستمرة، وفي مقدمتهم التربويون.

    ليس ثمة شك في أن الحلّ الأمثل يتمثل في التوفيق بين التيارين اللذين يتنازعاننا، فلا نفرّط في قيمنا، ولا ننسى حقّ أبداننا، وأننا مستهدفون ما لم نأخذ بأسباب القوة، وآلة العصر، ممثلة في علومه وتقنياته، فنحن لسنا وحدنا على هذا الكوكب، وكما أثّرنا في غيرنا من قبل، فإن علينا أن نتقبل أثر غيرنا فينا، لكن دون أن نذوب فيه، وننسلخ من مقومات شخصيتنا الحضارية المتميزة، وهذا يعني أن علينا أن نتسلح بأقوى الأسلحة على مدى الدهر، وهو العلم، وبسلاح العصر "الفتاك" : التكنولوجيا،ذلك لتحقيق التطور الشامل الذي يضعنا في مصف غيرنا من الأمم المتقدمة.

    إن "العمل على التطور التقاني (التكنولوجي) إنما هو جزء لا يتجزأ من عملية التطوير الثقافي والتطور الاجتماعي لأي أمة، وكذلك أيضا التطوير المؤسسي ومدى انفتاح هذه الأمة وانفتاح اقتصادها وتفاعله مع الثقافات الأخرى والاقتصاد الخارجي، (6). ومن هنا كان التركيز على هذا الجانب واضحا في المؤتمرات والمحافل التربوية العربية والإسلامية في العقود الأخيرة. جاء في كتاب المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (7)  أنه "يجب أن تتعامل الاستراتيجية التربوية الإسلامية مع العلوم والثقافة على أنها أحد المكونات الأساسية للحضارة، وتحث المجتمعات الإسلامية على اكتسابها وتطويرها، ولبلوغ هذا الهدف، يجب أن تحظى العلوم والتقانة بمكانة مهمة في المناهج التربوية، مع الحرص على إضفاء الطابع الإسلامي على تدريس هذه الموادّ."

    فالمسألة إذن تربوية في جلّ أبعادها، ولما كانت التقانة تطبيقا للعلم،  فإن بعدا جديدا يُضاف وهو ما يمكن أن نسميه السلوك التقني، إلى جانب السلوكيات التي تتمثل في مخرجات التربية. ولا بد لتحقيق هذا النمط من السلوك من تدريس وتطبيقات عملية تفسح المجال أمام التفاعلات. ومسلسل التطورات المحتملة "أن نرى أن النمو السليم للعلم والتقانة في أي بلد، يعتمد بصورة حاسمة على توافر اليد العاملة المدربة تدريبا علميا وتقانيا، وأن النظام التربوي المحلي، هو المسؤول عن توفير مثل هذه اليد العاملة.. يضاف إلى ذلك أننا نرى أن استثمار التطور العلمي والتقاني وصهره بصورة ناجحة، لا يمكن لهما أن يتواصلا إلا بدعم من جمهور متطلع مهتم بهما، والواضح هنا ان مسؤولية تنمية هذا الاهتمام وتأمين تزويد الجمهور بالإعلام السليم، تقع على عاتق النظام التربوي في البلد المعني، وكل سياسة لا تقرّ بأهمية هذين العاملين لا يمكنها ـ في أفضل حالاتها ـ أن تدخل أكثر من تحسينات قصيرة المدى، فيما يمكن لهذا البلد ان يواجه عجزا خطرا في التطور التقاني" (8).

    ومن المآخذ على الواقع العربي والإسلامي، أنه بالرغم من توافر الإمكانات المادية والبرامج النظرية، إلا أن التطبيق على أرض الواقع، وتحول العلاقة بين  العلم والتقنية من جانب، والممارسة العملية من جانب آخر، إلى سلوك اعتيادي ونمط حياة مستقر ـ لم يتحققا بعد. جاء في تعقيب لفخري الداغستاني (9) حول هذا الموضوع "تتوفر معظم عناصر المعرفة العلمية والتقانية في الدول العربية، ولكنها تتميز بما يلي:

    ـ قلة النشاطات في مجالات البحث العلمي الأساسي والبحث والتطوير التقاني والخدمات العلمية والتقانية.

    ـ قلة الارتباط بين هذه العناصر، وقلة توجهها لخدمة فطاعات إنتاج السلع والخدمات.

    ـ نمو عناصر التعليم نسبيا، أي محدودية نمو هذه العناصر.

    وقد نضيف إليها عاملا آخر له دوره البارز في التثبيط والعجز عن اللحاق بالركب، ذلك هو توالي المتغيرات والإحداثيات في الدول المتقدمة على نحو محير، يبعث الشعور بالإحباط واليأس في كثير من الأحيان. إضافة إلى أننا في بعض الأحيان لا ننيط الأمور بأهلها ولا نعطي القوس باريها، ونكل عملية التقدم للظروف دون تخطيط كافٍ، "فمن الشروط الواجب توافرها في العاملين في مجال استخدام تقانة التعليم، أن يكونوا مهيئين نفسيا واجتماعيا وفكريا، ويتمتعون بوعي لأهمية تلك الوسائط وخصائص كل منها، وما يمكن أن تقوم به من تأثير على الجمهور من النواحي النفسية والاجتماعية والتربوية،وقدرة هؤلاء على تعديل اتجاهاتهم نحو بعض الممارسات والموضوعات السائدة،وإكسابهم عادات وأنماطا سلوكية جديدة تتناسب والأدوار الجديدة الملقاة على عواتقهم في إطار التطورات التقانية الحديثة، لأن الوعي بهذه الأمور وسواها، يساعد المختصين على وضع معايير لاختيار الوسائط المناسبة لحاجات جمهور المستفيدين، وللأهداف المنشودة، وتمكنهم من الحرص على التوظيف الفعال لهذه الوسائط" (10).

    ويمكن إيجاز قضية التربية في مجتمعنا الإسلامي العربي بكلمة واحدة هي "الحيرة" وهذا يعني عدم القدرة، إذ العملية أشبه ما تكون بصياد يسدد سهمه إلى هدف متحرك، كلما أوشك يرسله،تغير موقع المستهدف، وهكذا إلى أن يتيقن من إصابته، وقد يخفق، ولكن فرصة النجاح في ذلك تغدو كبيرة إذا تمكن الصياد من دراسة سلوك الهدف وسرعته واتجاه الريح وكان جلودا مثابرا ... عندئذٍ قد ينجح، لاسيما إذا استبق سهمه الهدف في اتجاه حركته ... وهكذا الأمر بالنسبة لنا ... علينا أن نخطط لتطوير تربية تقفز بنا أمام الركب ... وليس تمكننا من اللحاق به قط.

     

    ما هو التعليم المستمر؟

                يقصد بالتعليم المستمر، ذلك النوع من التعليم الذي يهدف إلى مساعدة الفرد في مواجهة المتغيرات الحضارية ـ الاجتماعية والتقنية ـ سواء في مجال العمل أو المجتمع، تحقيقا للتكامل والترابط بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وصولا إلى النهوض بها عن طريق حشد الطاقات البشرية وإنمائها، وحشد طاقات البيئة والاستفادة منها (11) وذلك طبقا لخطط وإجراءات تنظيمية، تقوم بدور الوسيط بين هذه الطاقات كمدخلات، وبين المخرجات المستهدفة كنتائج متوخاة.

                ويأخذ التعليم المستمر عند بعض المفكرين (12) معنى التدريب من أجل التغيير، وتعزيز التعلم الذاتي على مستوى كل من الفرد والجماعة، ولا يعني وصفه بمستمر، أنه ليس له حد يقف عنده، فهو قد يتوقف، ولكنه لا يلبث حتى يبدأ مجددا نظرا لحاجة تطرأ، سواء أكانت ممثلة في ظروف البيئة والمجتمع أم مستجدات الحضارة، لاسيما التقنيات التي يتوصل إليها العقل البشري من حين لآخر، مما يستدعي استمرار التدريب والتعايش معها، كي لا تستبد بالمجتمع الحاجة ولكي يتمكن من مواكبة العصر.

      ويعتبر التعليم المستمر،بمفهومه المتضمَّن في ما تقدم، ألصق أنواع التعليم بنظام التعلم عن بعد، ذلك أن كلا منها يعتبر جزءا من التعليم المفتوح، ومكملا للآخر، كما أنهما يلتقيان في تعدد الوسائط التي تخدمهما، من مادة مطبوعة ومادة مسموعة أو مرئية مسموعة وغير ذلك من الأنماط والقنوات المستخدمة في اكتساب المعرفة والعلم. بل إن المثل اعتبار جميع أنواع التعليم أنماطا مختلفة للتعلم المستمر، وفي مقدمتها الجامعات. بل تفتق العقل البشري عن نمط آخر من الجامعات لعله ينسجم أكثر من سواه مع التطورات والتجديدات التي تتوالى تباعا في دورة الحياة، هو ال "جامعة دون جدران" التي قام بها معلمون من اتحاد الجامعات التجريبية، وكان هدفها الأساسي تطوير نموذج التعليم لدى الطالب الذي يرتكز على خبرته الشخصية، مما يجعل منها معلما، وهذا يقتضي أن تقوم هذه الجامعة "بتطوير طرق جديدة لتقييم المعلومات وطاقات الطلاب، وان تكون البرامج التي تضعها لينة وقابلة للتغيير، وللوصول إلى هذه الأهداف العملية التي تترجم هدفها الأساسي، عليها أن تضع بنى جديدة" (13).

                ولا يقف التعليم المستمر عند حد طرح الدورات وبرامج التدريب وتحديث المستوى الأدائي للموظف عن طريق تأهيله تربويا أو إطلاعه على احدث ما توصلت إليه تجارب الآخرين في مجالات العمل المختلفة مهنية كانت أم فنية ـ ولكنه قد يتجاوز، ذلك فيمكّن المتعلمين من الحصول على الشهادات الأكاديمية المختلفة.

                "وهو أيضا كل أنواع التدريب المكمل المتوافر للأفراد الذين دخلوا عالم العمل، الذين يرغبون في إكمال إعدادهم العام،أو إكمال تدريبهم المهني من أجل رفع مستوى مهاراتهم ومعلوماتهم، أو الحصول على تدريب جديد في ميدان آخر، أو لتحسين أوضاعهم عن طريق الحصول على ترقية وظيفية، أو للحصول على رضى ينجم عن تحسّن فاعليتهم وكفاءتهم وسيطرتهم على قدراتهم الخاصة" (15).

                وقد نذكّر هنا بما ورد في الأثر من الحث على طلب العلم "من المهد إلى اللحد"، وأن الإنسان يظلّ يتعلم ، فإن حدثته نفسه بأن غدا عالما فقد جهل، ذلك أن العلم لا حدّ له فيتوقف عنده، كما أن الحاجة إليه لا نهاية لها بحال من الأحوال ... والمطالع في سجل التراث العربي الخالد، يقف على أمور مبهرات في مجال الدعوة إلى العلم قبل الإسلام وبعده (16)، ناهيك عن المكانة الرفيعة التي خص القرآن الكريم بها العلماء.

                ومن هنا، يجب أن يأخذ التعليم المستمر دلالة جديدة، تنسجم مع صفة الاستمرارية، ومع واقع الحياة الحافل بالمتغيرات، مما يستدعي فتقه عن أبعاد جديدة، وتحريره من الأطر، بحيث يغدو طليقا كالحياة نفسها، وهذا يعني أن نعيد النظر في تعريفاته السابقة، لأنه ـ فيما يبدو ـ قد أصبح ممكنا أن يتجاوزها ويعطي نتائج أفضل على طريق التنمية الشاملة والإسهام في مسيرة الحضارة العالمية بفعالية.

                بعبارة أخرى، إن "الحياة نفسها هي مصدر رئيس للتعلم ... والإنسان يتعلم ما يتعلم من الحياة عن طريق عملية العيش بصورة رئيسة" (17) وقد أصبح التعلم العرضي أو اللامدرسي، يشكل جزءا كبيرا من مجموع المعارف والمواقف والمهارات التي يتلقاها الإنسان عرضيا، من غير قصد في حياته اليومية، وتحيط به من كل جانب، وتضغط عليه باستمرار، فهي مكونات منهجه اليومي،ومادتها جزء من كيانه الثقافي والحضاري الذي ينمو كل يوم ويتسع ويتنوع" (18). وهذا يستدعي تخطيطا يتابع الحياة نفسها، ويعكس تطورها، ليس برصده ولكن بوضع المنهج المناسب للتعامل معه، "فوظيفة مخططي المناهج ومطوريها أن يجمعوا بين دفات مناهجهم المقترحة تلك الخبرات المتنوعة التي تؤثر في حياة الإنسان وسلوكه وهو يعيش حياته الاعتيادية، ويترجموها بطريقة منظمة إلى فعاليات وسلوكيات وأنشطة تدخل في محاور المنهج ومحتواه" (19). وأن "القدرة على إعادة تقديم الواقع المعيش في شكل تركيبات جديدة هي دون شك، أحد العناصر الأساسية لكل إبداعية حقيقية في كل الميادين ابتداء من استعمال الكلمة ووصولا إلى وضع الفرضيات العلمية" (20).

                وهذا يعني أن العلاقة بين المدخلات والمخرجات قائمة على التكامل، ولا يجوز الفصل ما بينهما، واعتبارهما شيئين مختلفين، إذ هما كالعلة والمعلول، والسبب والنتيجة، والموت والحياة، و"إن الإعداد لمستقبل متغير بسرعة بالغة، محدد الشكل إلى حد كبير بالتطورات العلمية والتقانية، بات في الوقت الحاضر يشكل هدفا تربويا" (21)، وهذا يعني أن التعليم المستمر، وهو أحد الأهداف، ويجب أن تلجأ إليه الأجهزة التي تنهض بمهمة التربية والتخطيط للتقدم والرفاه الاجتماعي، وأن تسعى لتطبيقه ابتداء من مراحل الدراسة المبكرة، لتحقيق الترابط العلمي بين العلم والتقنية، وإخضاع ذلك للتجربة والتدريب والتطبيق، حيث تتكامل العوامل المختلفة وتتضافر "مع الخبرات اليومية للمتعلمين، والمفاهيم التي بنوها بأنفسهم للظاهرات الطبيعية، ولنواحي الحياة التي يمارسونها عند مغادرة المدرسة، بما في ذلك الإقدام على العمل" (22).

                وقد توصل المعنيون بتطوير التربية في الآونة الخيرة، إلى ما يعرف بالتدريب بالتجديد والتجديد بالتدريب، أي التدريب التلقائي من خلال التجديدات، والتدريب على طريق تجديدات البنى والنظم التربوية (23). ولما كانت التجديدات متواصلة لا تقف عند حدّ، وجب أن يكون التدريب هو الآخر متواصلا لا يقف عند عمر أو حد. "إن الاستنتاج الأهم الذي يمكن أن أتوصل إليه هنا، هو أن تدريب المدرسين للتكيف مع الأوضاع الجديدة التي تنشأ، هو الإسهام الأكبر في الغالب لبناء مستقبلنا. فحاجاتنا ليست إلى مقاربات جذرية جديدة للتدريب الأساسي المطلوب، بل إلى التدريب المتواصل إلى هذه الدرجة أو تلك أثناء الخدمة، وهذا يعني في النهاية، انه لا بد من أعداد أكبر من المدرسين، لتوفير الوقت والفرصة لإعادة المطلوب، ولتمكينهم من استخدام المسعفات الحديثة المتوافرة على صورة أفضل" (24).

                وإذا لم يتحقق هذا النوع من التدريب المستمر، والمتمثل بتزويد الإنسان بما يستجد من معارف وتقنيات في مجا تخصصه أو مهنته، فإن حبل التواصل سينقطع، وتتكون بالتالي ثغرة تأخذ في التوسع ساعة فساعة، وقد يستفحل أمرها وتتسع على الواقع. وهذا ما رصده كولين باور إذ يقول: "إن استجابة مدرسي العلوم والفنون العلمية والأنظمة التربوية للتغيرات التي أطلقتها الثورة التقنية الإلكترونية، لم تكن وافية أبدا، فقد أخفقت إصلاحات البرامج بصورة عامة، بسبب عدم الاهتمام الكافي بحاجات المدرسين لتحقيق التطور المهني، وكثيرون من مدرسي العلوم والتقانة لم يتلقوا أي تدريب أثناء الخدمة، أو لعلهم تلقوا القليل منه بعد مباشرة التدريس، برغم حاجات المهنة المتزايدة، والتغيرات في برامج العلوم، وتطور تقانة الإعلام الجديدة، والأدوار الجديدة المطلوبة من المدرسين" (25).

    "فليس الهدف تخرج معلمين يصلون أوج خبرتهم التربوية وحنكتهم الفنية عندما يحالون إلى المعاش، ولكن الهدف هو إيجاد معلمين يتسم سلوكهم بالحنكة والخبرة في مراحل نموهم المهني كلها، معلمين لا يصقلون خبراتهم فقط، أو يعدلون مهاراتهم، لأنه قيل لهم كذلك، ولكنهم ينمون في جميع الاتجاهات، لأن الحياة تنمو من حولهم" (26).

     

    بين التربية النظامية والتعليم المستمر:

    تقدم المؤسسات التعليمية بمستوياتها المختلفة نمطا محدودا من التربية، وهذا النمط بطيء في التكيف لا يجاري المتغيرات، وذلك لسببين؛ أحدهما أن التكيف يحتاج إلى تقويم ودراسة وتخطيط، وهذان يتطلبان وقتا طويلا نسبيا، والثاني أن عامل التغير سريع في فعله وخارج عن إطار التحكم.

    وتغفل التربية النظامية عملا مهما في التكوين، ويترك أثره على الدارس دون ملاحظة أو تقويم، ودون متابعة لذلك الأثر في المناهج، وهو المعارف اللامنهجية التي يستقيها الإنسان من "مدرسة الشارع" ومن المدرسة الإلكترونية: التلفاز والمذياع والحاسوب ونحوها" وغير ذلك، إضافة إلى التفاعلات بين المعارف وخلايا الدماغ التي تتم في عقل الدارسين، ودورها في اكتساب المزيد، والقدرة على الربط والتحليل، إضافة إلى الميول والاستعدادات النفسية، وهي أمور تختلف من دارس لآخر، وفي ذلك ما يطعن في وحدة المناهج، ويرشح تفريد التعليم Individualization  ويزيد في جدواه وملاءمته. ولعل ذلك هو ما كان عليه السلف من قبل، لا يربطون دارسا بدارس إلا ما أراد،وإلا ما كان ذلك لازما.

    و" من المشكلات الحديثة لدى البلدان الكثيرة، أن التربية العلمية المدرسية عاجزة عن توضيح دور العلم والتقانة في عالم العمل " (27) ومرد ذلك فيما نرى هو "النظرية" المفرطة التي تتقفاها المدرسة في التعليم ، إضافة إلى أن الصدور فيها يتم انطلاقا من الكتاب،وليس من مصلحة أو حاجة قائمة أو ممارسة عملية للعمل.

    ويرى كويتين ومايسلو أنه "لا عجب ... أن قلل خبراء التنمية البارزون من فعالية المدرسة كشريك في التنمية الريفية في الدول النامية .. أو شككوا بهذه الفعالية وفضلوا بذل جهودهم في توسيع الخدمات والأشكال الأخرى من التربية غير ذات الشكل المألوف" (28), أي بالتعويل على خطط أكثر مرونة وقابلية للتعامل مع الوقت والمتغيرات.

    ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى تخطيط أشمل، يأخذ بالحسبان دور التربية النظامية ـ على محدوديتها وعدم شمولها ـ إلى جانب التربية المفتوحة التي يتلقاها الإنسان من خارج الأطر النظامية، وإعادة النظر في الأهداف المتوخاة من وراء ذلك كله. بعبارة أخرى "يجب استبعاد كل أنواع التخطيط الجزئي المعتمدة قبل الآن، ليحل محلها التخطيط الشامل والمتكامل والكفيل بالتغلب على المشكلات المعقدة التي تعاني منها التربية، وهذا يعني أنه يجب التعامل مع النظم التربوية في شموليتها،كمجموعة تضم العناصر المدرسية وغير المدرسية من جهة، وتأخذ بالحسبان اليد العاملة والحاجات الاجتماعية، وكذا الغايات والمناهج والطرائق التربوية كمّا وكيفا من جهة أخرى" (29).

    ومهما حاولت مؤسسات التربية النظامية أن تتجاوز واقعها إلى ما ينسجم مع طوفان  المعرفة  وطغيان التقنية، فإنها ستظل حبيسة التأطير الذي يشكل أبرز مواصفاتها، "فكثيرة هي الموضوعات الجديدة التي أدخلت في الجامعات في السنوات الأخيرة: دراسة الاتصالات، المعلوماتية، الحاسوب، الالكترونيات، العمل البيئي ... الخ،كل ذلك يشكل محاولات للابتعاد عن الصور القديمة،ودمج الموضوعات الأساسية بحيث تكون أكثر صلة بالمشكلات التي تواجه العالم، إلا أن الصعوبة الكبرى التي اصطدمت بها الغالبية،هي أن الأمور تتغير بسرعة شديدة، بحيث إن ما يشتهر لسنة أو لسنتين، يصبح عتيقا بعد ذاك" (30).

    وخلاصة القول أن التربية النظامية التي تهدف إلى تمكين الإنسان من اجتياز مراحل تعليمية معينة، وتأمل عقب ذلك أن يكون مؤهلا "لممارسة الحياة" لا تتفاعل مع الحياة من بعد، ولا تستمد منها ما ينسجم مع متغيراتها  ويقدم لها الحلول، ولذا كان لا بد من تحقيق "النظرة التي ترى أن الإنسان يعيش عملية الإعداد التربوي طوال حياته، ويكشف استعداداته وقدراته وينميها، وبالتالي يسهم في نمو نفسه ومجتمعه وواقعه" (31) ذلك "أن ظروف الحياة نفسها قد أصبحت مصدرا مهما للمعرفة المتجددة والمستمرة" (32).

    وقد أثبت التعليم التقليدي انه لم يعد الممكن الوحيد عن طريق محاربة الجهل، والارتقاء بمستوى الإنسان إلى الحد الذي يمكنه من التكيف مع متغيرات الحياة، هذه المتغيرات التي قد تطرأ عليه من بيئة بعيدة جدا في الشرق أو في الغرب، نظرا لما أدت إليه ثورة المواصلات والاتصالات من اختصار المسافات وجعل العالم صغيرا ... جدا.

    وإن نظرة عجلى في تطوير التعليم التقليدي في معظم بلدان العالم، لتقفنا على أنه بالرغم من تقدمه وتحسين ظروفه، وتطور وسائله وانتشار مؤسساته، إلا انه لم يحقق لتلك البلدان تقدما ينسجم مع هذه المعطيات وفي مقدمتها نوعية المتعلمين قياسا بكمهم.

    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، حيث يقف التعليم التقليدي حجر عثرة أحيانا في سبيل التعليم المفتوح ـ وهو من أنماط التعليم المستمر ـ ويرى فيه منافسا له، فهو لا يتقبله بالرغم من انسجامه مع متطلبات العصر ومقتضياته، فقد جاء في جملة الاستنتاجات والتوجهات المستقبلية، التي توصل إليها أحمد الخطيب في بحثه "التجارب العربية في مجال التعليم الجامعي المفتوح" (33)، أنه "على الرغم من الإمكانات والموارد المادية والبشرية والتقنية المتوافرة في الجامعات العربية والتقليدية، وإمكان الانتفاع منها في دعم أنظمة التعليم الجامعي المفتوح المقترحة وتعزيزها، إلا أن التجربة المتراكمة في هذا المجال، تشير إلى أن هذه الإمكانات والموارد ربما تشكل عائقا في نمو أنظمة التعليم الجامعي المفتوح وتطورها في البلاد العربية بسبب طبيعة لوائحها وأنظمتها البيروقراطية ... وإن تجارب الدول التي قامت بتطوير أنظمة التعليم الجامعي المفتوح فيها، تشير إلى أن أكبر تهديد يواجه تطوير هذه الأنظمة، إنما يصدر من مواقع التعليم التقليدي ومن الأطر الإدارية والأكاديمية في هذه الجامعات".

    ومن هنا، كان لا بد من التعليم المستمر مستقلا ورديفا للتعليم التقليدي، يُغنيه وينميه ويطوره ويكيفه ويطوّعه ... ويكتسب التعليم المستمر هذه الخصائص من عدة أوجه ننقلها عن R. H. Dave  (34) ونجملها في ما يلي:

    ـ إن التعليم المستمر لا ينتهي مع نهاية الدراسة النظامية أو المدرسية، ولكنه عملية مستمرة مدى الحياة، وتشمل كل فترات حياة الفرد.

    ـ إن التعليم المستمر ـ مدى الحياة ـ هو عملية تنمية، موضوعها شخصية الإنسان من جوانبها المختلفة من عقلية ومعرفية، إلى جسمية وانفعالية وجمالية.

    ـ التعليم المستمر على العكس من التعليم النظامي؛ يخلص الفرد من تآكل الكفاءة الذي يسببه التقادم المهني والثقافي في الفترات اللاحقة من حياته،ويسعفه بما يستجد في مجال وظيفته أو مهنته من ضرورات عصرية، بحيث يغدو قادرا على التأقلم والتكيف مع المتغيرات الحضارية والتقنية.

    ـ التعليم النظامي لا يعدو أن يكون جزءا من التعليم المستمر، وبهذا يكون التعليم المستمر أشمل وأعم.

    ـ التعليم المستمر أكثر انسجاما في طبيعته مع الحياة من التعليم التقليدي، وذلك بما يتصف به من المرونة والتنوع في مواده وأساليبه وأوقاته.

    ـ التعليم المستمر ليس نظريا وحسب، ولكنه إلى جانب ذلك عملي ومهني، ولما كانت المهن في تغير مستمر، نظرا لارتباطها بآخر التطورات في المجالات العلمية والتقنية ـ فإن الحاجة تكون ضرورية لاكتساب علم جديد ومعرفة جديدة للمحافظة على الفعالية المهنية للأفراد.

    ـ ينسجم التعليم المستمر مع دور الإنسان المثالي في المجتمع، وهو أنجح من التعليم التقليدي في تحقيق هذا الانسجام، لأن التعليم التقليدي لا يستطيع مواجهة متطلبات التكيف من خلال مراحل حياة الفرد المختلفة، ذلك لجمود مناهجه وتخلف خططه عن متابعة المستجدات في الوقت المناسب. وبهذا فإن التعليم المستمر يسهم في سدّ الثغرات التي يخلقها التعليم التقليدي، ويعالج الخلل الكامن في تخلفه عن مواكبة التطورات العملية والتقنية المتسارعة، إضافة إلى ما يمثله من ذلك تركيزه على الامتحانات المدرسية دون الخبرات المكتسبة من مدرسة الحياة خارج المدرسة.

    ـ يتكئ التعليم التقليدي على المدرس والكتاب وحسب، بينما تنساب مدخلات التعليم المستمر إلى المتلقي عبر وسائط لا حصر لها، حيث يكون للبيت والمجتمع ووسائل الاتصال الجماهيري والمؤسسات المختلفة دور بارز في تحقيقه.

    ولم يكن Dave   الوحيد الذي عرض لهذا الموضوع ـ خصائص التعليم المستمر ـ فقد توصل هو و Cropley  إلى خمس خصائص رئيسة يمتاز بها التعليم المستمر، وهذه الخصائص ـ بإيجاز ـ هي(35):

    1.    الكلية والشمولية Totality :

     كل حياة الإنسان

    كل مراحل التعليم

    كل أنواع التعليم

    2.    التكامل Integration  :

    وذلك حيث تتضافر فيه أنظمة التعليم المختلفة وحيث تشترك فيه المؤسسات التربوية المختلفة من البيت إلى المدرسة إلى المجتمع المحلي وغيرها.

    3.    المرونة Flexibility :

    وذلك حيث إن التعليم المستمر يتيح الفرصة لـ:

    ـ تلقي المواد التعليمية المناسبة للحاجات المتغيرة باستمرار.

    ـ استخدام الأنماط البديلة للتعليم التقليدية.

    ـ تعدد أنماط محتويات التعليم وأدواته ووسائل تقويمه وتوقيته.

    ـ تغير نمط حياة الفرد ومستواها من خلال عمليات التعليم الجديدة بعد فترة التعليم التقليدي.

    4.    الديمقراطية (ديمقراطية التعليم) Democratization :

    وذلك من حيث إن التعليم المستمر يمكّن جميع الناس من الاستفادة من فرص التعليم، بغض النظر عن مستوياتهم وظروفهم.

    5.    الإشباع الذاتي (رضا النفس) Self – Fulfillment  :

    وذلك بما يمكّن الفرد من القدرة على التكيف مع مستجدات الحياة في الظروف المختلفة،وعلى الإفادة العملية من القدرات الإبداعية، مما يسهم في تحقيق الذات، ويمكّن الفرد من تطوير خصوصياته والإبراز عن المواهب التي يؤنسها في نفسه، مما يجهله الآخرون ولم تتمكن المدرسة من اكتشافها وتنميتها.

    ونستطيع أن نضيف إلى الخصائص المتقدمة بعدا جديدا يمتاز به التعليم المستمر، وينبغي أن يُصار إلى التركيز عليه من قبل المخططين للعملية التربوية وبرمجة التعليم، وهو أن التعليم المستمر تعلُّم أيضا مستمر، ومناهج مكتسبة، ومعارف تتولد يوما بعد يوم، بل ساعة فساعة، بفضل التفاعلات المتسارعة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وعالم التقنية على حد سواء، مما يضاعف العبء على التربويين وموجي العملية الاجتماعية، إذا كانوا حريصين على جسر الهوة بين مجتمعاتنا والدول المتقدمة. ففي كل يوم تشهد دنيا المعرفة والتقنية ولادة أكثر من أربعين اصطلاحا جديدا (36)، يعكس كل منها أبعادا علمية جديدة، وفي هذا ما يكفي لبيان ما بنا من حاجة إلى جهود مركزة، وإصرار على اللحاق بالركب. وسنتحدث عن هذا الموضوع قيما بعد بشيء من التفصيل.

     

    أنماط التعليم المستمر:

              قلنا من قبل إن التعليم التقليدي (أو النظامي أو الشكلي أو المدرسي أو الرسمي) يعتبر أحد أشكال التعليم المستمر، ولكن أبرز أشكاله هو التعليم غير النظامي ، ويقصد به ما يقدم للكبار من البرامج والمساقات التي توازي في طبيعتها ما يقدم للدارسين في المراحل النظامية المختلفة، من ابتدائية فإعدادية وثانوية فجامعية، ومن مؤسسات هذا النمط مراكز محو الأمية والمدارس الشعبية والجامعات المفتوحة.

       وينضوي تحت التعليم النظامي مهمات التدريب التي تنظمها المؤسسات السالفة الذكر، كتأهيل المدرسين أثناء الخدمة، وتدريب المهنيين كالأطباء، والمهندسين، والفنيين في المجالات المختلفة.

    ومن أنماط التعليم المستمر ، ما يمكن أن نسميه التعليم الحر غير المحدود بشكل أو إطار، وهو ضرب من التعليم يكتسب بالتجربة ومعاركة الحياة كجزء منها، ومن مؤسسات هذا النمط، المكتبات والمساجد والنوادي ووسائل الاتصال الجماهيري والمواقع الأثرية وغير ذلك مما يمكن أن نطلق عليه اسم الثقافة العامة، ويمكن إجمال أبرز أنماط التعليم المستمر السائدة في ما يلي:

    1.    دورات التأهيل والتدريب، سواء أكانت أثناء مراحل (نظامية أو غير ذلك) أو كانت عقبها أثناء الخدمة.

    2.    التعليم المفتوح أو التعليم عن بعد، ومن أنماطه.

    ـ الجامعة التلفزيونية، كتلك التي في الصين، وجامعة انديرا غاندي في الهند اعتبارا من سنة 1984.
    ـ الجمعة المفتوحة، كجامعة القدس المفتوحة، والجامعة البريطانية،وجامعة العلّامة محمد إقبال في الباكستان، وجامعة تايلاند.

    ـ التعليم بالمراسلة، كما هي الحال في بعض الجامعات البريطانية، والتعليم بالانتساب، كجامعة بيروت العربية، وبالانتساب الموجه كما هي الحال في جامعة الإمارات العربية المتحدة.

    ـ الجامعة (بلا جدران) وتتمثل في التجربة التي قام بها عام 1971 معلمون من اتحاد الجامعات التجريبية (انظر هـ 13).

    3.    المدارس الليلية وبرامج محو الأمية وتعليم الكبار.

     

    التعليم المستمر تعلم مستمر:

                تعكس أبنية العربية جانبا مهما من فلسفة اللغة في توجيه دلالاتها، فالتعلم والتعليم عملية واحدة، غير أنها تسير في اتجاهين مختلفين، فالعملية التعليمية التعلمية يتجه بها الإنسان نحو نفسه وبإدارة مسبقة، لكنها تتم اكتسابا دون قصد، كتأثر الإنسان ببيئته وصدور سلوكياته عن فطرته. بينما يتجه الإنسان بالعملية التعليمية تجاه غيره، وكي تكون هذه الأخيرة منطقية، فإنها تكون قياسية صادقة،أي أن تكون متقنة، ولا بد لتحقيق هذه الصفة من متابعة التغيرات، وتكييف المناهج المتبعة في ضوء ذلك، في عملية مستمرة تعتمد على "تعويم" مناهج التعليم بجعلها مرنة Flexible قابلة هي الأخرى للتغير،وبحيث تكون منسجمة مع دورة الحياة.

                وهذا يعني على صعيد التعليم النظامي، أن يتوالى تدريب المعلمين ومعلميهم على نحو يتمشى مع المستجدات ويعكسها في المناهج والأساليب، "فالمعلمون معنيون إلى حد بعيد بضرورة التدريب المستمر لأربعة أسباب أساسية":

    أولا: لأنهم بالرغم من إسهام وسائل الإعلام أو ما يعرف بمدرسة الشارع، يظلون الوكلاء الأساسيين والحقيقيين لنقل المعلومات العملية والتقنية بكل معنى الكلمة.

    ثانيا: إن التغييرات الاجتماعية والثقافية تؤثر مباشرة على التربية وشروط الاتصال، وهذا الأمر يعني أن يأخذه المربون بالحسبان، ويباشروا بدراسة أساليب تعليمهم.

    ثالثا: أن المعلمين هم وكلاء مهمون في التدريب المستمر، ولا يقتصر دورهم على ما يقومون به في التدريب الأساسي، لذا عليهم أن يهتموا بكل ما يتعلق بالمعلومات والتقنية الجديدة، لأن الوقت قد حان لنشرها إن لم يتم ذلك بعد.

    رابعا: إن المعلومات والتقنيات لا تبعد من التقدم العام، فمن باب التناقض أن يكون المعلمون هم آخر من يهتم بها، علما بأنهم ناقلوها في الميادين كافة، ولا يمكن أن نتصور كيف يستطيع معلم أن يساعد بشكل فعّال وقيّم ـ معلما آخر من خبرته التعليمية، إذا لم يمارس هو نفسه هذا التمرين بمفرده أو بشكل جماعي (37).

                أما على صعيد التعليم المفتوح، فإنه يقتضي أن يطور القائمون على أمره من أساليبهم، وإجراء الدراسات والبحوث التي تهدف إلى إجراء هذا التطوير بنجاح، والتخطيط للتعليم بربطه مع التعليم الذي سبقه والذي سيليه؛ لتوفير استمرارية حقيقية مبنية على التنسيق والتكامل، وأن يأخذوا أنفسهم وموظفيهم بما يعرف بالتدريب الذاتي التلقائي، المستند أساسا على الجهود الفردية.

                ومهما كان التقدم الذي نتوقعه من عدد البحوث المتزايد، ومن الجدلية الوثيقة بين التجديد والبحث فلن يبطل ـ يوما ما ـ هذا النوع من التدريب، والسبب في ذلك أن هذه الجدلية لن تنتهي لأن الوضع التربوي معقد جدا. ولأن تأثيرات هذه الجدلية تتغير باستمرار، ولكن، لكي يصبح هذا النوع فعالا إلى أقصى حد، فإنه يتطلب تبادلا مستمرا بين المعلم والباحث الذي يجعل من هذه الممارسة هدفه. فهذا الترتيب الذي يمارس هنا وهناك، والذي يشكل أحد الأساليب الأساسية هو من التربية الدائمة المعروفة بالتربية المستمرة" (38).

                وهذا يقتضي توسع آفاق التربية العلمية والتلقائية، وبسطها أمام الاختيارات البشرية، وتكييفها على وجه أكثر فعالية مع المفاهيم الجديدة عن التعليم والفرص الجديدة الناشئة عن التقدم التقني.

                ويذهب تايلور إلى أن " التحديات الأربعة التي تواجهها البشرية: التغير والوعي والضرورة والمغامرة، تقتضي القيام بهجوم مركز عبر جميع مستويات التربية الشكلية" (39) ولا بد لذلك كله من تضافر الجهود وتكامل الرؤى،والتبصر في العملية التعليمية التعلمية باتجاهيها على حدّ سواء. ففاقد الشيء لا يعطيه،ومعطيه على غير وجهه ودون إتقان ما هو بمعطيه. وتحقيق ذينك إنما يكون باستمرارية التعلم ومواكبة التغيرات.

                " فلا شك في أن حاجة ملحة للتغير قد أخذت تظهر من نواح عديدة في النظم المدرسية للعالم بأسره، وإنه لمن السهل إبراز أن هذه النظم ليست في مستوى حاجات مجتمع يتطور بسرعة، فمن الضروري الانكباب على كل عناصر المناهج والطرائق والتنظيم، تقريبا، قصد إصلاحها" (40).

                وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون الأخذ به برمته، لا سيما أن لكل أمة خصائصها، وطرائقها، فلا بأس في اختبار فحواه، والنظر في مدى انطباقها على واقعنا، وملاءمتها له، فنحن أمام معطيات جديدة، تؤثر فينا وتجتاز حدودنا دون تأشيرة،وعبر طرق شتى، فإن نحن لم نتكيف معها بشكل نحدده نحن، انطلاقا من خصائصنا، وبحيث نضفي عليه شيئا من صبغتنا، فإن نتائج آثارها فينا لن تكون حميدة، وتكون الخلاصة شائهة لا تفضي إلى تقدم، ولا إلى شعور بالأمن.

      " إن التعليم البيولوجي الأساسي في فترة نضج إنسان ما في المجتمع العصري،يتشعب ويتغير بحكم نمو ذكائه وتجربته الشخصية وتكيفه الثقافي" (41)، وما ينطبق على الإنسان الفرد، ينطبق بالمعايير نفسها على الإنسان المجتمع، فالتكيف الثقافي مع المستجدات والمتغيرات ضروري لتحقيق اتصاف المجتمع بأنه متعلم، ولتحقيق مواكبة العصر الذي يعيش فيه. ولا سيما أن التعليم / التعلم المستمر، "يختلف عن النظام التعليمي القائم من حيث فلسفته وأهدافه ومحتواه ومبررات وجوده،لأنه منبثق من حاجات الدارسين، يافعين وكبارا. ولأنه يسعى لتلبية حاجات المجتمع، ومتطلبات التنمية فيه" (42)، فهو بذلك ضروري للحياة، للفرد والمجتمع على حد سواء.

      ومن هنا كان لزاما على الإنسان ـ لا سيما إنسان هذا العصر ـ أن يتعلم كيف يتعلم، وليس غريبا أن نجد في مساقات التعليم عن بعد،مساقا يحمل هذا العنوان "تعلم كيف تتعلم"،  فالعلم شيء، وكيفية التعلم شيء آخر، ذلك معرفة منظمة ... وهذه منحى وأسلوب ... وكل ذلك علم آخر الأمر.

      ويهدف هذا المساق "إلى تدريب الطالب على المهارات والأساليب التي تعينه على بناء استراتيجياته الخاصة في عمليات التعليم، من استخدام القراءة في هذه العمليات،والقدرة على التمييز بين الأهم والمهم من بين المصادر الكثيرة والمراجع ... إلى تنمية قدراته النقدية بالتحاور مع كل منها في هذه العمليات، وإلى التدريب على الأساليب العلمية في البحث  والأساليب التوثيقية في الكتابة، هذا فضلا عن ترويض نفسه في تنظيم أوقاته ليكون مهيّأ من النواحي الفكرية والنفسية في أوقات الدراسة والمراجعة والكتابة " (43).

    ونرى أن هذا المساق ينبغي أن يمتد لمساحة أوسع مما تقدم، وأن يبلغ آفاقا أبعد، بأن يدرب الدارس على التعامل مع المتغيرات، ويسهم في التخطيط وافتراض التصورات،  واقتراح الحلول، بعبارة أخرى: أن يقحم في مادة المساق موضوع المتغيرات والمرونة الواجب التحلي بها عند التعامل معها، مما يعني أن تتضمن المادة برمجة حاسوبية موضوعها الإنسان نفسه، بحيث يغدو مبرمجا قادرا على التكيف مع المستجدات دون أن يفقد خواصه، وبشكل مستمر.

    فكلما زاد معدل التغير، زادت الحاجة إلى التعليم والتدريب المستمرين، ذلك أن ما يتلقاه الإنسان في مرحلة طفولته، يصبح باليا عتيقا في مراحل حياته التالية" (44) وأن "الأهم بالنسبة للأطفال، هو إعدادهم بحيث يعون مشكلات خزن المعلومات ونقلها، ويدركونها دون تحميلهم عبء تعلم الحلول الآنية المعينة، التي قد تصبح لاغية قبل أن يبلغوا سن البلوغ" (45) وما ينطبق على الطفل ينطبق على البالغ، بل على المجتمع بأسره، والمهم إذن هو أن يتعلم الإنسان كيف يفكر، وكيف يتعامل مع المتغيرات، فالعالم يستطيع أن يساعد الأطفال على التفكير بطريقة منطقية فيما يتعلق بالأحداث اليومية، وعلى حل المشكلات العلمية البسيطة، مثل هذه المهارات الفعلية ذات قيمة لهم أينما عاشوا وأي مهنة امتهنوا" (46).

    إن صفة الاستمرار في التعليم تقتضي أن يتصف ـ بالضرورة ـ بكونه تعلما في الوقت نفسه، ذلك أن الاستمرار حركة على محيط دائرة كبرت أو صغرت، تتدرج عليه حركة العقرب حتى تكتمل، ثم تعاود التدرج من جديد وهكذا، أو هي مسيرة الماء في نهر بدأ بجدول ما يلبث حتى يرفده جدول بعد جدول، فهو يتنامى ويتعاظم حتى يصب في مآله،فيتبخر مختلطا بغيره، ثم ينزل ماء هنا وهناك وتعود المسيرة من جديد وهكذا، في منظومة يستحيل حصرها وتحديد أبعادها.

    فالإنسان يولد جاهلا لا يفقه شيئا (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (47)، ثم يأخذ في اكتساب المعارف عبر حواسه متأثرا بأسرته وبيئته الطبيعية والاجتماعية بما في ذلك المدرسة والكتاب، ويغدو عقله قادرا على التحليل والتركيب يقوده بذلك إلى آفاق معرفية جديدة. وبعبارة أخرى، فإنه يتدرج على منحنى المعرفة من الصفر إلى ما شاء الله.

    وتتراكم المعارف البشرية، وتتداخل وتتلاقح، فيغير الإنسان مناهجه في اكتساب المعرفة وإكسابها الآخرين، ويتعمق التفاعل ويأخذ أنماطا جديدة ومتغيرات متلاقحة، تقتضي هي الأخرى أن يعاد النظر في المناهج السابقة، وهكذا على نحو مستمر متواصل، وإلا فإن الإنسان سيتخلف عن الركب ويكون العارف عندئذٍ أكثر إحساسا بالتخلف من الجاهل، وتتضاعف المسؤولية والأعباء إلى حد قد يبعث اليأس ويدعو للإحباط.

    وفيما يلي مخطط لما نتصوره من علاقة مدخلات التعليم المستمر ومخرجاته، وهو بمنـزلة مراحل على محيط شبه دائرة لولبية تتسع كلما أوشكت تستدير، وتفضي إحداها إلى التي تليها، مكسبة إياها زخما وفعالية وزيادة في النوع والكم.

    وقد يكون جميلا أن نشبه عملية التصعيد المعرفي، المتمثل في ما يكتسب منها جراء إخضاع المدخلات المتجددة، لمقتضيات التقويم والتغذية الراجعة في تفاعلها معها، بما يعكسه انطلاق سائق في طريق جبلي يسير فيه لأول مرة، فهو لا ينطلق مسرعا، بل يسير بحذر وترقب ريثما تتحقق الألفة بينه وبين ذلك الطريق، فيزداد تمرسه في القيادة عليه مرة بعد مرة.

    والتعليم المستمر من قبل المتلقي، يجب أن يكون موجها بنتائج التعليم المستمر الذي ينبغي أن يأخذ الملقي نفسه به، في منحى ديالكتيكي متطور باستمرار، ولعل ما يحدث في بلادنا لا يعكس ذلك التواكب بين عمليتي التعلم والتعليم، مما يفقدها طابع الاستمرار، والنتائج الحميدة التي يضمنها الاستمرار. بعبارة أخرى، إن على المربين، وموجهي الرأي العام والمدربين، أن يكرسوا جهودهم للمجالات التالية سواء بسواء:

    أ‌.       تلقين المعارف وتوجيه السلوك.

    ب‌.  تطوير المناهج التي يتبعونها بما ينسجم مع كل من:

    ـ تقدم المعرفة.

    ـ وما يستجد من تقنيات.

    ـ ومدارك المتلقين.

    ج. تقويم العملية من حين لآخر.

    د. تطوير معارفهم، وهنا لا بد من متابعة ذاتية من جهات الإشراف.

    إن ألفاظ اللغة التي تكتسب بها المعارف، وتوظف بها التقنيات ـ لتتصرف لدلالات تتغير على نحو مستمر،وإن لم يواكب الإنسان ذلك التغير، ويعايشه، فإنه سيكون كمن يظن أن الدينار ـ على سبيل المثال ـ ما يزال يساوي قيمته الشرائية التي كانت له قبل أربعين عاما،وكانت قيمته الشرائية عالية جدا، قياسا بما هي عليه اليوم. أو كمن يظن أن التلفاز هو ذلك الجيل القديم (أبيض وأسود) وان الطائرة هي تلك التي ركبها قبل ثلاثين عاما ...

    إن التطور والمتغيرات التي تطرأ كل يوم، هي مضاعفات متوالية هندسية، تستدعي أن ننظر إليه بجدية بالغة، ولعل أنجح السبل إلى تدارك ما فات ويفوت، هو أن نجعل من المجتمع برمته جامعة مفتوحة؛ تمارس عملية التعلّم والتعليم المستمرين، وتحقيق الانفتاح الاجتماعي دون تفريط، والتفاعل مع المستجدات بذاتية متميزة،واعتبار التعليم النظامي جزءا مكملا للتعليم المستمر، وتوظيف وسائل الإعلام كافة،في إنجاز أهداف هذا المشروع، ولتحقيق الانتقال إلى عصر التقنية العلمية بالتفاعل معها، وإنتاجها وتطويرها.

    وباختصار، إن التعليم المستمر يعني السير المنتظم نحو مستويات أعلى من الخبرة،"ويتطلب التعليم في هذه الحالة متدخلين من نوع جديد تقتضي وظائفهم وأدوارهم تدريبا خاصا، ينتج من ممارسة المهنة،كما ينبغي استدعاء معلمين من النوع التقليدي، شرط أن توكل إليهم في هذا النظام الجديد أدورا جديدة، ومن ثم تدريب ذاتي يضاف إلى تدريبهم السابق" (48). وقل مثل ذلك في القيادات التربوية الناجحة الفعالة، "ففي دراسة قام بها أوين (1987) وجد فيها أن فعالية مواد العلم الجديدة في أستراليا، تعتمد إلى حد كبير على رؤساء الدائرة العلمية ومهارتهم القيادية والتنظيمية" (49).

     

    المنهج

    إن سمة التغير التي تتصف بها الحياة في هذا العصر، تنسحب على معظم مكونات الحياة، وتتدخل في عناصرها بشكل فعال، ولما كانت التربية ألصق المناشط البشرية بالحياة؛ ذلك بما هي انعكاسها وترجمتها على نحو مغاير، فإن عناصر العملية التربوية، ستكون متغيرة باستمرار، يستوي في ذلك الخطط والمناهج والاستراتيجيات، أو الأهداف المرحلية والوسائل وطرائق التقويم وأولويات المعرفة. وقد نجمل الهدف العام للعملية التربوية المعاصرة،بتكييف الإنسان ليغدو قادرا على التفاعل مع نمط الحياة المعاصرة بالتعايش معه والإسهام في تطويره. بعبارة أخرى ... عن الهدف العام المطلوب هو "التربية من أجل الحياة"، و "أن التعليم المدرسي ليس إلا واحدا من المؤثرات التربوية في الحياة، وانه غير قادر بمفرده على إعداد كل ما هو مطلوب" (50).

    ومن هنا، كان لا بد من تطوير هذا التعليم؛ لرفع مستوى أدائه إلى أفضل وجه ممكن، والنظر في إمكان استحداث أساليب جديدة، توظف فيها كل الوسائل التي من شأنها تقديم "خدمات تربوية" ذلك "أن الحياة بمعناها الواسع تربي، فالبيت والبيئة ودور العبادة، والجمعيات والمنظمات، والصحف المجلات، والمتاحف والمكتبات ووسائل الإعلام، كلها تمد الفرد والمجتمع بخبرات، فهي إذاً مادة صالحة للمنهج الواسع المتكامل" (51).

    ويتم تطوير مناهج التعليم النظامي في الاتجاهين: الأفقي؛ بزيادة المواد التعليمية، وتنويع موضوعاته بما ينسجم مع متغيرات العصر ومستحدثات الحضارة. والعمودي؛ تحليلا وتركيبا وبناء، بحيث يتم التعمق في المعارف وتوظيفها بشكل فعال.

    أما ما يمكن أن نسميه "بالتربية الحرة" (52)، فإن مناهجها وبرامجها ما تزال غير واضحة، ويصعب تحديدها وتوجيهها؛ نظرا لاتساع دائرتها، وتنوع أساليب أدائها. والغالب في أمرها أن يتم تصميمها استنادا على "الحاجات المسلم بها، والحقائق الاقتصادية، والأوساط الاجتماعية والثقافية في المجتمع". ومثل هذه النقاط من شأنها أن تكون المنطلقات لصياغة برنامج فعال ممتع، له صلة بالمجتمع وبالتلاميذ والطلبة والنشء خارج المدارس، والبالغين الأميين ... إن برنامج العلم الذي يتصل بحياتهم اليومية وعالمهم الحقيقي، يشكل الحافز الأفضل، والمعنى الأمثل لتعلّم العلم" (53). غير أن هذا التعويم قد يكون هدفا ضروريا في حد ذاته، وقد نشبهه بالفراغات التي تترك بين قضبان سكة الحديد، أو بالإسفنج، أو صفائح البولسترين  التي تغلف بها الأجهزة الدقيقة أثناء نقلها، لوقايتها من الصدمات المحتملة، ذلك أن العملية التربوية، في عالم المتغيرات المعاصر، عرضة للصدمات والعثرات باستمرار. ومن هنا، فإن الواجب يقتضي بان يوجه "التخطيط نحو تقويم التربية وتحديثها، وذلك بمراعاة ضمان التكامل والتفاعل بين المدرسة والمجتمع على مختلف المستويات، والحرص على تغيير النظم التربوية، أو تطويرها اعتمادا على التغيرات أو التطورات الاقتصادية، لضمان مزيد من المرونة والقابلية للتواؤم مع التغيرات المتلاحقة.

    ويقتضي هذا المنحى، القائم على أخذ التطورات والمتغيرات بالحسبان على نحو مستمر ... ان تكون هناك حركة تقويم مستمرة، تواكب ذلك المنحى باعتبارها جزءا منه مكملا له، والتقويم هنا موجه ليس للتحصيل ومدى انتفاع المتلقين بالمناهج المطورة فحسب، ولكنه بالدرجة الأولى موجه إلى المناهج نفسها من حيث مواءمتها وقدرتها على التعبير عن الأمور الحادثة، ومرونتها في تلبية مطالب المستجدات وترجمتها إلى مدخلات ينتظر أن تكون لها نتائج وأهداف على مستواها.

     

    الخلاصة:

    يتقدم المجتمع البشري في هذا العصر بسرعة فائقة، بل إن المرء يجد نفسه في سباق متواصل مع الآلة، والتقدم التقني يبلغ في كثير من الأحيان حدّ التحدي، وخصوصا في بلدان العالم الإسلامي ودول جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا الجنوبية.

    واستجابة لهذه الحقيقة المؤلمة، بات ملحا جدا أن تنهض المؤسسات الثقافية العربية، بمهمة التعليم المستمر وخدمة المجتمع العربي كخطوة لا بد منها إن نحن أردنا الارتقاء بالوطن والمواطنين إلى المستوى الحضاري اللائق بالعصر الذي نحيا فيه، وبأمة لها من الأمجاد ما كان، وكي لا نجد أنفسنا متخلفين وراء الركب نندب حظنا على قارعة الطريق.

    فمن المبادئ التي تقوم عليها استراتيجية تطوير التربية على طريق تنمية فلسفة تربوية عربية متميزة "مبدأ التنمية الشاملة بمعنى تنمية المجتمع بجميع فئاته وسائر مجالاته والعمل على تقدمه بصورة متوازنة" (55) ، ولا سبيل لتحقيق هذه المنجزات العريضة إلا بالتعليم المستمر، لا سيما أن التعليم النظامي لم يعد قادرا على النهوض بالأعباء المتجددة، بل لقد أصبحت المدرسة محل انتقاد، والأسرة محل ملامة، وهناك من يحمل المدرسة مسؤولية التخلف والأدواء الاجتماعية، ويطالب بالتحرر من قيودها (56).

    إن التعليم المستمر ليشكل أنجح السبل المتاحة للتعامل مع ظروف المجتمع العربي الراهنة؛ ذلك أن التعليم التقليدي لم ينجح في جسر الهوة الحضارية بيننا وبين الشعوب المتقدمة، كما أن استخدامنا لمخرجات التقنية الحديثة، لم يسهم في تقدم حقيقي نحو توطينها، وهذا يعني ـ باختصار ـ أن أمتنا تقف أمام التحديات المعاصرة وجها لوجه، دون ظهير أو سند، إلا ما يمكن أن تلجأ إليه من أساليب العصر في مقاومة آفاته، وفي مقدمة تلك الأساليب "التعليم المستمر" الذي يمكن أن نشبهه بتجديد الهواء في مسكن ما بشكل متواصل.

    ويمثل التعليم المستمر بهذا المفهوم، عنصرا لبقاء الأمة، وركيزة تمكنها من الصمود، ولئن قال بعض الفلاسفة "أنا أشك فأنا موجود" أو "أنا أفكر فأنا موجود"، فإننا نقول مع إدجار فور "أنا أتعلم فأنا موجود"، وهذا المعنى متضمن في تقريره للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم 1972، حيث عبر عنه بقوله" Learning to be   أي تعلم لتكون (57).

     وتختلف الأهداف المنوطة بالتعليم المستمر باختلاف المتلقين؛ من حيث مستواهم المعرفيّ، ومن حيث المجال الذي يتجهون للتزود منه. ويندرج ضمن هذه المتغيرات، طبيعة الظروف البيئية بين بلد وآخر، ومستوى اجتماعي وآخر ... ومهما يكن من حال، فإن الأهداف العامة التي يجب ان يتوخاها التعليم المستمر هي:

    ـ زيادة الحصيلة المعرفية المكتسبة على نحو متواصل طوال حياة الفرد، مما ينعكس إيجابا على حياة المجتمع.

    ـ تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ذلك أن برامج التعليم المستمر تتقدم من الدارسين منسجمة مع ظروفهم، إذ نادرا ما تصطدم بها، كما أنها تطرح بشكل متجدد، منهجية كانت أم لا منهجية، وبغرض الحصول على شهادة أم بغير غرض محدد.

    ـ تمكين الأفراد من الارتقاء الوظيفي، على طريق تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وذلك بما يتيحه لهم من تطوير قدراتهم، ورفع كفاياتهم في المجالات المختلفة.

    ـ تعليم الأفراد مهنا جديدة، وتمكينهم من التكيف مع ظروف الحياة الطارئة والمستجدة، مما يسهم إسهاما فعالا في سد حاجات المجتمع، وتلبية حاجات الأفراد.

    ـ ترسيخ المعارف والمهارات المكتسبة بوساطة أنماط التعليم التقليدية، وإسنادها بما يستجد في عالم المعرفة، إلى غير ذلك من الأغراض التي يمكن أن تتشعب في هذه الأهداف.

    ـ إدخال مخرجات التقنية والتجربة الشخصية والمكتسبة على نحو متجدد ونتائج التقويم في العملية التربوية  طرديا،مع استشراء الثورة العلمية وطغيان التقنية.

    ـ تحقيق قدر من المرونة يكفي للتكيف على المستوى الشخصي والاجتماعي مع متوالية المتغيرات التي يشهدها هذا العصر.

    ـ رفع كفاية المعلمين ومربيهم، والقيادات التربوية والمناهج، بحيث تكون على مستوى العصر.

     

    المراجع:

    1.    اليونسكو ـ التربية البناءة للأطفال، من الفكر التربوي العالمي. تونس 1408هـ / 1987م، ص32.

    2.    الألكسو ( المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)،التعليم عبر القمر الصناعي العربي، تونس 1985م، ص70.

    3.  المركز العالمي حول التربية للجميع ـ الإعلان العالمي وهيكلية العمل. جومتين ـ تايلاند، 5/9 آذار (مارس) 1990 ـ الترجمة العربية ص9,10.

    4.  تشارلز تايلور ـ بحثه في كتاب التجديدات في التربية العلمية والتكنولوجية ـ اليونسكو، تحرير دافيد لايتون، تعريب ميخائيل خوري، بلجيكا 1988، المجلد الثاني ص189.

    5.    المصدر السابق، ص181.

    6.  منتدى الفكر العربي، التكنولوجيا المتقدمة وفرصة العرب الدخول في مضمارها. سلسلة الحوارات العربية (6)، مطبعة الصفدي، عمان 1986، ص14.

    7.  الايسيسكو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) ـ نحو استراتيجية تطوير التربية في البلاد الإسلامية، الدار البيضاء، 1989، ص43.

    8.    تشارلز تايلور، مرجع سابق، ص184.

    9.    منتدى الفكر العربي، مرجع سابق،ص14.

    10.    الألكسو ـ التعليم عبر القمر ـ مرجع سابق، ص 69 عن محمد رشيد الناصر في استخدام تكنولوجيا الاتصال من أجل فرص تربوية أفضل في المنظمة العربية.

    11.    الراوي ـ مسارع، التكامل بين مجالات محو الأمية والتعليم النظامي في إطار التعليم المستمر مدى الحياة، مؤتمر بغداد لمحو الأمية الإلزامي،1976، ص 262.

    12.    بيتر فورتر، المخطط والتعليم مدى الحياة، ترجمة ك. بطوورس، مجلة التربية الجديدة ـ العدد 15 سنة 1987، ص 129 ـ 130.

    13.    اليونسكو، تدريب مربي المعلمين،ترجمة اليونسكو الإقليمي في البلاد العربية ـ عمان ـ مطبعة جمعية عمال المطابع التعاونية 1985، ص79 ـ 80.

    14.    توق، محيي الدين وزميله، برامج الجامعات العربية في إطار التعليم المستمر،الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار، ندوة خبراء لدراسة إمكانية قيام الجامعات العربية المفتوحة،عمان 1979،ص87.

    15.          Ducret, B, Some Observations in the Light of the Experience of the University of Geneva in Life long Education and University Resources Paris, 1978.p. 80.

    16.          انظر جبر، يحيى، الدعوة إلى العلم في التراث العربي، مجلة الخفجي، العدد 9، السنة 22 رمضان، سنة 1413، ص46.

    17.    الألكسو، ندوة خبراء لدراسة طرق ووسائل فتح القنوات بين التعليم العام وتعليم الكبار، الرياض 5 ـ 9 رجب 1401هـ،  13/5/1981، ص69.

    18.          المصدر السابق، ص70.

    19.          المصدر السابق والصفحة نفسها.

    20.          المصدر السابق والصفحة نفسها. اليونسكو، التربية البناءة للأطفال، مصدر سابق،ص 380.

    21.          دافيد لايتون، كتاب التجديدات ... مصدر سابق، ص11.

    22.          المصدر السابق نفسه.

    23.          اليونسكو، تدريب مربي المعلمين، مصدر سابق، ص 42 ,75 على التوالي.

    24.          تشارلز تايلور، مصدر سابق، ص192.

    25.          كتاب التجديدات، مصدر سابق، ص292.

    26.          الألكسو، ندوة خبراء لدراسة طرق ووسائل... مصدر سابق، ص116.

    27.          دافيد لايتون ـ مصدر سابق، ص137.

    28.          المصدر السابق، ص 139.

    29.          الأيسيسكو، مصدر سابق، ص 53.

    30.          تشارلز تايلور، مصدر سابق، 187, 188.

    31.          الألكسو ، ندوة خبراء لدراسة طرق ووسائل ... مصدر سابق، ص59 عن عبد الفتاح جلال في تحديث الأمة، ص 8.

    32.          Croply, A, J. and Dave R. H. Life Long Education, UNESCO, institute for Education, Hamburg 1974, p. 11.

    33.          مكتب التربية العربي ـ وقائع ندوة التعليم العالي عن بعد البحرين 30/2/1407 ـ 4/3/1407 هـ، ص58.

    34.          Dave, R.H. Life Long Education, School and Curricula in Developing Countries Hamburg 1974, p. 93 – 105.

    35.          خوري، أنطوان ـ التربية المستمرة، مجلة  التربية الجديدة، العدد4، بيروت سنة 1974، ص58.

    36.    جبر، يحيى ـ الترجمة والتعريب ضرورة قومية ملحة، مجلة التعريب، العدد الخامس، دمشق 1993، ص30، عن إسحق الفرحان.

    37.          اليونسكو ـ تدريب مربي المعلمين، مصدر سابق، ص 16 ـ 17.

    38.          المصدر السابق، ص44.

    39.          تشارلز تايلور، مصدر سابق، ص193

    40.          اليونسكو ـ التربية البناءة للأطفال ـ مصدر سابق، ص152، 258.

    41.          المصدر السابق نفسه، ص104.

    42.          الألكسو ـ ندوة لدراسة طرق ... مصدر سابق ص51.

    43.          جامعة القدس المفتوحة ـ ضرورة وطنية وقومية، عمان 1987، ص68.

    44.          ساكسينا، ب ـ التعليم المتكامل المستمر مدى الحياة، مجلة آراء، كانون ثاني 1972، ص98.

    45.          تشارلز تايلور ، مصدر سابق، ص189.

    46.          Harlan, W. (Ed) New Trends in Primary School Science Education, vol.1, Paris, UNESCO. 46 (the Teaching of Basic Sciences) P.189.

    47.          حل، الآية 78.

    48.          اليونسكو ـ تدريب مربي المعلمين ـ مصدر سابق، ص70.

    49.          كولين باور ـ كتاب التجديدات، مصدر سابق، ص293.

    50.          الألكسو ـ ندوة خبراء لدراسة طرق ... مصدر سابق، ص67.

    51.          المصدر السابق نفسه، ص 71.

    52.          الألكسو ـ من أنماط التعليم العالي، دمشق 1986، ص174.

    53.          بورفيريو ـ كتاب التجديدات، ص180.

    54.          الأيسيسكو، مصدر سابق، ص53.

    55.          الألكسو ـ من أنماط التعليم ... مصدر سابق، ص171.

    56.          اليونسكو ـ التربية البناءة ... مصدر سابق، ص16.

    57.    محمد، داود ـ التعليم المستمر، منشورات جامعة الموصل، كلية التربية، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1988، ص22.

     

     
  • Bookmark and Share Email
     
Leave a Comment

Attachments

  • No Attachments Found for this Article

PROFILE

Yahya Abdul-Raouf Othman Jaber
علم اللغة
 
Show Full ProfileArabic CV
 
 

PUBLISHED ARTICLES

 
Please do not email me if you do not know me
Please do not e-mail me if you do not know me